الحارث المحاسبي
253
الرعاية لحقوق الله
يركنوا إلى ما يحبط عملهم في يوم عرضهم على ربهم ، جلّ وعزّ . وقالت فرقة وهم أهل العلم وأولى بالحق : كلتا الفرقتين غالطة : أما الأولى ففرغت قلوبهم من ذكر الآخرة ، وجعلت عبادتها إلزام قلوبها ذكر الشيطان ، فقد أدخلت ذكر الشيطان من القلب غلطا أكثر مما أدخلت ذكر اللّه عزّ وجل في قلوبهم ، وإنما أمرت بالحذر من أن تغفل عن الذكر والعمل ، فإذا ودعت الذكر فقد أصاب العدو ما أراد ، وإن جاءت خطرة إلى قلب فارغ من الذكر يوشك أن يقبلها ، إذ ليس فيه نور من ذكر الآخرة ، ولا قوة اشتغال باللّه عزّ وجلّ ، فأنتم أضعف في الرد وأفرغ قلوبا من الآخرة من غيركم ، ولم تؤمروا بانتظاره ولا بإدمان ذكره . وأما الفرقة الثانية فقد شاركت الأولى في بعض معناها إذ جعلت ذكر اللّه عزّ وجلّ ، وذكر الشيطان في القلب مستويين ، فكأنما أمرت بذلك : ذكر اللّه عزّ وجلّ ، وذكر الشيطان والاشتغال باللّه عزّ وجلّ ، وبالشيطان ، ولم يبلغنا عن أحد من الأقوياء ولا الضعفاء أنه فعل ذلك ولا دان به ، لأن اللّه عزّ وجلّ أمر عباده بطاعته ، وندبهم إلى الاشتغال به عن خلقه ، إبليس وغيره ، وأمرهم بالحذر منه حين يعرض بفتنته ، فاشتغل أولياء اللّه عزّ وجلّ ، وأهل الخالصة من عباده بذكر ربهم وذكر ما ندب إليه وأحبّه ، وألزموا قلوبهم حذر ما حذّرهم منه ، على غير انتظار له ، ولا اشتغال بذكره . والحذر يلزم القلب من العناية بالنجاة من العدو والخوف من فتنته ، ثم لا يمنع الاشتغال باللّه عزّ وجلّ ، مع ترك ذكر العدو والاشتغال به ، أن يهيج الذكر والتيقظ حين يعرض العدو بخطرته . وإن ذلك لموجود فيما هو أشدّ من الاشتغال باللّه عزّ وجلّ : ذهاب العقل بالنوم ، حتى لا يعقل شيئا من الدنيا ،